الشيخ الأنصاري
76
مطارح الأنظار
مما يكفي في انتزاعها عن المقدمة ملاحظة ذات المقدمة مع قطع النظر عن ترتب الغير عليها ولحوق الأجزاء الأخر من العلة إليها فالمصلحة الداعية إلى حكم العقل بالملازمة بين وجوب الواجب وبين وجوب مقدماته لا تنفك عن ذات المقدمة فيمتنع تجردها عن وصف المطلوبية وإن تجردت عن ترتب الغير وأما ما غالط به من قضاء صريح الوجدان بأن من يريد شيئا لمجرد حصول شيء آخر لا يريده إذا وقع مجردا عنه فإن أراد من وصف التجريد اعتباره في المطلوب كأن يكون المقدمة بشرط تجريدها عن ذيها مطلوبة فهو حق إلا أنه لا يرتبط بما نحن بصدده وإلا فإن أراد من عدم إرادته عدمها إرادة نفسية فهو أيضا مسلم لكنه غير مفيد إذ لا يعقل إثبات الطلب النفسي للمقدمة وإن أريد به عدم الإرادة ولو كانت غيرية فهو غير سديد ضرورة قضاء صريح الوجدان بخلافه ومن هنا يظهر فساد ما زعمه من جواز التصريح بعدم إرادة المقدمة الغير الموصلة مع الأمر بذيها وأما ما أورده في دليل ما صار إليه من قوله لما عرفت من أن المطلوب فيه هو المقيد من حيث كونه مقيدا وهذا لا يتحقق بدون القيد الذي هو فعل الغير فهو مما لا يرجع إلى طائل إذ لا يعقل أن يكون الغير في الواجب الغيري قيدا للمطلوب إذ لا يراد به إلا ما كان الغير قاضيا بوجوبه وهذه حيثية تقليلية لا مدخل للتقييد فيه أصلا فالمطلوب في الواجب الغيري ليس مقيدا بل الوجه في مطلوبيته هو الغير هذا إن لوحظ التقييد بالنسبة إلى مطلوب الواجب الغيري وإن لوحظ التقييد بالنسبة إلى ذات المقدمة كأن يقال إن الوضوء المقيد ترتب فعل الصلاة عليه مقدمة لها لا الوضوء المطلق ففساده أوضح من أن يحتاج إلى البيان فإن مقدمة الكون على السطح ليس الصعود المقيد بالكون بل نفس الصعود ولا نعقل للتقييد بالكون مدخلا في مقدمية الصعود له نعم بعد ترتب الكون على الصعود يعرض التقييد المذكور له وأين ذلك من اعتبار التقييد فيما هو مناط توقفه عليه والحاصل أنه إن أراد من قوله المطلوب فيه المقيد إن الوجه في مطلوبية الواجب الغيري هو الغير فهو حق لا محيص عنه إلا أنه بمراحل عن هذه المقالة وإن أراد بذلك أن المطلوبية في الواجب الغيري مقيدة أو ذات الواجب الغيري كونها مقيدة مقدمة بالغير فقد عرفت فسادهما ضرورة أن الجهة التعليلية لا يورث تقييدا وأن التقييد إنما عروضه بملاحظة الترتب لا أن التقييد به مقدم عليه ويكون مما يتوقف عليه الواجب كما لا يخفى ثم إن ما أورده قبل ذلك بقوله لأن مطلوبية شيء للغير يقتضي مطلوبية ما يترتب ذلك الغير عليه دون غيره مما لم يظهر لنا وجه اختصاصه بالمقام وأما ما أفاده ثانيا في بيان مراده من قوله فالتوصل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لا من قبيل شرط الوجوب فهو بظاهره فاسد لأنه إن أراد من شرط الوجود كونه شرطا له مع قطع النظر عن الوجوب كأن يكون شرطا لذات الواجب الغيري فهو دور ظاهر وإن أراد من كونه شرطا له بملاحظة الوجوب فيرجع الأمر إلى شرط الوجوب وقد اعترف بكونه متضح الفساد فإن قلت مراده من شرط الوجود ما هو شرط لوجود الواجب على صفة الوجوب كما يظهر ذلك بملاحظة وجود الأجزاء الواجبة في الصلاة فإن شرط وجود الجزء على وجه الوجوب لحوق الأجزاء الأخر به فكما أن الحمد لا تجزي عما هو الواجب منه ما لم يلحقه الأجزاء اللاحقة فكذلك المقدمة لا تقع على صفة الوجوب ما لم يترتب عليها الغير فهو شرط لوقوعها على هذه الصفة لا شرط لوجودها حتى يدور ولا لوجوبها حتى يكون متضح الفساد قلت نعم ينبغي حمل كلامه على ذلك إلا أنه مع ذلك فاسد أيضا إذ الأجزاء اللاحقة لا تأثير لها في الأجزاء السابقة لأن المطلوبية القائمة بها ليست مطلوبية ذاتية نفسية بل إنما هي غيرية عرضية حيث إنها أجزاء للواجب النفسي وتلك المطلوبية لا تنفك عنها وإن لم يلحقها الأجزاء الأخر لأنها قد وقعت على تلك المطلوبية وما وقع على صفة يمتنع زوالها عنه لا يقال فيلزم أن يكون العمل صحيحا فيما إذا لحقه الأجزاء الأخر لأنا نقول العمل المذكور إن لم يكن مما اشترط فيه الموالاة والاتصال فلا دليل على بطلان اللازم وإن كانت الملازمة مسلمة وإن كان فمع انتفائه فلا ملازمة لأن بطلانه بواسطة عدم الشرط أو الجزء المعتبر في نفس العمل على وجه يمتنع إعادته [ لانعدامه قبل ] وبالجملة فليس الجزء من حيث إنه مأخوذ جزءا للمركب أظهر حالا من سائر المقدمات في المقام حتى يستند إليه ويقاس الغير عليه في توقف وقوعه على وجه الوجوب على لحوق الأجزاء الأخر به على ما عرفت نعم الجزء الملحوظ على وجه لا يخالف الكل يتوقف على لحوق الأجزاء به إلا أنه من هذه الجهة الملحوظ على وجه الكلية ولا كلام في حصول الواجب النفسي بحصول جميع أجزائه وقوله إن المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب فإن أراد به أن المطلوب بالمقدمة تمكن المكلف من الإتيان بالواجب والوصول إليه حيث إنه عند عدمها يمتنع صدور الفعل منه فغير مفيد وإن كان واقعا في محله فإن ذلك من لوازم ذات المقدمة من غير ملاحظة شيء آخر وإن أراد به أن المطلوب بالمقدمة هو ترتب الغير عليه فعلا فغير سديد ضرورة أن ترتب الواجب أمر مغاير للمقدمة مفهوما فلا يمكن أن يكون المطلوب منها ذلك المفهوم المغاير إلا بضرب من التأويل كأن يكون بينهما ملازمة واقعية أو اتحاد خارجي وانتفاء الثاني ظاهر ولا ملازمة بين المقدمة والمترتب لما هو ظاهر من كثرة موارد التخلف فلا يعقل أن يكون المطلوب من المقدمة هو التوصل نعم يصح أن يكون التوصل إلى الواجب وجها لمطلوبية المقدمة فإن التوصل ليس أمرا مغايرا للواجب النفسي بحسب الواقع فإن ذلك طور من أطواره كما لا يخفى ومن هنا يظهر أن الداعي إلى طلب المقدمة هو الصفة الموجودة في ذاتها مع قطع النظر عن الغير وهو كونها بحيث يتمكن المكلف معها من إيجاد الفعل فإنه لما كان إيجاده بدونها ممتنعا التجأنا إلى اعتبار المطلوبية فيها ليتبدل الامتناع بالإمكان وقد مر في بعض المباحث السابقة أنه يمتنع أن يكون المصلحة الداعية إلى طلب الشيء موجودا في غيره فهذه هي الغاية المترتبة على